الحارث المحاسبي

97

الرعاية لحقوق الله

باب ما ينال به اجتماع الهم قلت : فاجتماع الهمّ بم ينال ؟ قال : بخلتين : إحداهما : قطع شغل الجوارح عن كل شئ سوى ما يريد أن يتفكر فيه ؛ لأن النظر بالعين يلهى القلب ويشغله ، واستماع الأذن كذلك ، ومسّ اليد كذلك ، إلا نظرا أو استماعا يستعين به على ما يريد أن يتفكر فيه ، كالرجل يعظك فتستمع له لتفهم ما يقول أو تنظر إليه ، أو القراءة في المصحف ، أو الصحف فيها العلم . وقد وصف اللّه عزّ وجلّ بذلك من فهم عنه فقال : الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ « 1 » . قال عبد اللّه بن مسعود رضي اللّه عنه : حدّث القوم ما حدقوك بأبصارهم . وكذلك أن تنظر إلى الأشياء لتعتبر بها ، فأما ما سوى ذلك فلا تشغل جوارحك بشئ من أمر الدنيا ، فإذا أردت أن تفكّر ، خاليا كنت أو مستمعا أو معتبرا ، فاقطع شغل جوارحك بالدنيا ، فإن ذلك يغلق عنك الفكر . ومن ذلك قوله عزّ وجلّ : إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوى « 2 » .

--> ( 1 ) الزمر : 18 . ( 2 ) الإسراء : 47 .